محمد راغب الطباخ الحلبي
282
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ولد رحمه اللّه سنة 1235 في مدينة غزة من أسرة نشأ منها عدة علماء وفضلاء ، وبعد أن ترعرع تعلم القراءة والكتابة وأخذ مبادئ العلوم من علماء بلدته ، ولما بلغ السادسة عشرة من عمره سافر إلى مصر ودخل جامع الأزهر وأكب على تحصيل العلوم والفنون وأحرز منها النصيب الأوفر في مدة وجيزة ، ثم عاد إلى بلدته فأقبل عليه أهلها ، فحسده بعض الناس لذلك ونصبوا له المكايد . ولما تنكد عيشه فيها غادرها إلى جزيرة أرواد ، ثم توجه منها إلى طرابلس الشام في أواخر سنة ستين ومائتين وألف وأخذ في نشر العلم فيها . وفي ذلك الأثناء مر بطرابلس وليّ اللّه الشيخ محمد المغربي الشهير متوجها إلى حلب ، فاتصل به المترجم وحظي عنده وأخذ عنه الطريقة النقشبندية ، فحسّن له الشيخ محمد المغربي أن يتوجه معه إلى حلب وبشره بأنه ينال فيها إقبالا زائدا ويبنى له مدرسة ، فتوجه معه إليها ودخلها سنة 1264 ونزل مع أستاذه في جامع بانقوسا واختلى معه بالخلوة النقشبندية وأخفى ما لديه من العلم . وصادف في ذلك الحين أن الحاج وفا ابن الحاج أحمد الموقت أحد أعيان الشهباء وشيخ تجارها قد حج تلك السنة ، وفي عودته مر على مصر بنية إحضار أحد متفوقي علمائها إلى حلب ، وذلك لقلة العلماء وقتئذ بحلب ، وذلك للطاعون الذي حصل قبل سنتين وللفتنة الإبراهيمية التي دامت نحو 8 سنين ، ولما ذاكر بعض العلماء في هذا الشان قيل له إن في طرابلس رجلا من أكابر العلماء وأفاضلهم يقال له الشيخ حسين الغزي ، وهو إذا رضي بالذهاب إلى حلب تكون قد حصلت على بغيتك . فتوجه الحاج وفا إلى طرابلس ، ولما وصلها وسئل عنه قيل له إنه قد سبقك إلى حلب منذ أيام قلائل ، فسر لذلك وتوجه إلى وطنه حلب ، ولما وصلها اجتمع بحضرة الأستاذ الشيخ محمد المغربي وعرّفه غرضه وطلب منه أن يكلف الشيخ حسين بنشر ما لديه من العلم ، فامتثل المترجم الأمر واختار له الحاج وفا مسجدا قريبا من سوق القصيلة وهو مسجد أشقتمر المعروف الآن بجامع السكاكيني ، فصار يقرئ الطلبة فيه ، وشاع عند ذلك فضله وأقبل عليه الطلبة من جميع أنحاء البلدة ، وكان الناس في ذلك الوقت في شوق زائد إلى طلب العلم بسبب القرعة العسكرية ومسامحة الدولة طلبة العلوم من التجنيد ، وهي أول قرعة كانت في أيام الدولة العثمانية في مدينة حلب وبلاد العرب ، وقد كثر اجتماع الطلبة لهذا السبب ، ولما كان عليه من الجد والنشاط وفصاحة اللسان وغزارة المادة وقوة التعبير عن مراده ، وبلغ عدد الدروس التي كان يقرؤها في هذا المسجد كل يوم تسعة دروس في فنون مختلفة .